علي عبدالله خليفة الفارس الذي سكنه الوطن

بقلم الكاتب صلاح الجودر

معاناة مع المرض انتقل إلى جوار ربه شاعر البحرين علي عبدالله خليفة رحمه الله، فبرحيله طويت صفحة مهمة من الذاكرة البحرينية التي حملت في طياتها الأدب والشعر والحكاوي والموروث الشعبي، فخيَّم الحزن والألم شوارع البحرين ودواعيس المنامة والمحرق، والأسواق والمراكز الثقافية على المستوى الخليجي والعربي، وذلك لما للشاعر من مكانة خاصة لدى المثقفين والكتاب والأدباء، فقد كانت اشعاره تغني في المناسبات والاحتفالات، فلا زال الناس تردد (ماذا أحكي لك عن ليل المحرق) وكذلك (هوى محرق شمالي وشقق شراعي)، وبرحيله ترك فراغًا كبيرًا يصعب ملؤه، فقد كان شعلة من نشاط يندر وجودها، فهو ليس شاعرًا وحسب، بل هو موسوعة ثقافية في الأدب والتراث والتوثيق والبحث والتقصي، ومؤسسة ثقافية شاملة في جسد إنسان بحريني!.
في الرابع من مارس 1944 ولد بالمحرق الشاعر علي عبدالله خليفة على يد القابلة (الولادة) آمنة شويطر (ولادة المحرق)، وكان دائمًا ما يتذكرها ويترحم عليها، وعاش مع والدته وبين أخوته، الأكبر خليفة والأصغر خالد في منزل بالقرب من مدرسة أم كلثوم الابتدائية للبنات، فقضى شبابه بين فرجان علي راشد فخرو (لقمرة) وفريج الشيوخ وبراحة بن غتم بالمحرق القديمة بمجمع 209، فحفظ القرآن الكريم بأحد كتّاب المنطقة (المطوع)، في هذا المكان تحديدًا ولد وعاش وترعرع لأسرة تعشق البحر وأصوات النهامين، وكان يصف طفولته بأنه لم يكن مثل أقرانه، فهو لم يعشق لعب كرة القدم ولا الألعاب الذهنية مثل (الكيرم والدامة) وغيرها في ذلك الوقت، ولكنه استهوى القراءة والمطالعة، وبعد تخرجه من الثانوية (1962) حصل على بعثه من وزارة التربية والتعليم لدراسة تخصص الأشعة بالجامعة الأمريكية ببيروت، لكنه لم يستطع تكملة البعثة لظروف العائلة، فهو العائل الوحيد لأسرته؛ لذا آثر العمل في صيدلية فخرو لمساعدة أسرته وإعالتها. 
في العام 1963 أصبح دليلاً للبروفيسور الدانماركي بول روفسنج أولسن أستاذ علم موسيقى الشعوب في جولته الميدانية للبحرين لجمع الموسيقى الشعبية، في هذه الأثناء كان يتردد على مكتبة المحرق العامة التابعة لوزارة التربية والتعليم، والمقابلة لمدرسة الهدية الخليفية، وكان مدير المكتبة حينها الأستاذ حسن المحري، واستمر على ذلك لمدة سبعة أعوام، فيقضي فترة العصر والمساء في المكتبة لقراءة الكثير من الكتب وتحديداً كتب الأدب والشعر، والمجلات والصحف المصرية واللبنانية وغيرها من المجلات التي توفرها المكتبة العامة.
وقد كان الشاعر علي عبدالله خليفة مولعًا بسماع الشعر منذ أيامه الأولى، فقد كانت عائلته تردد المواويل وأغاني البحر، ويستمع إلى تلك المواويل من شعراء المنطقة وأهل البحر، حيث تزخر المحرق في ذلك الوقت بالكثير من الشعراء والدور الشعبية التي تقيم سهرات الفجري والعرضة وغيرها، وكانت والدته تحفظ الكثير من المواويل والأشعار النبطية، وقد استطاع أن يختزل في ذاكرته الكثير من الأشعار والمواويل والإيقاعات حتى أصبح متميزًا في هذ النوع من اِلأشعار.
وقد حققت قصيدته الأولى التي نشرها في مجلة الحوادث اللبنانية في العام 1963 عبر بريد القراء من دفعه في هذا الاتجاه، وبالعام 1966 ألتقى بالبروفيسور السويسري سايمون جارجي في بحثه الميداني لجمع نصوص الأغاني الشعبية في البحرين، وقد رافقه لتحقيق ذلك العمل، فاستفاد كثيرًا من مرافقته لهذه القامات التي فتحت له الباب لدراسة الأغاني الشعبية والمواويل والقصائد العامية والنبطية.
بالعام 1969 أسهم في تأسيس أسرة الأدباء والكتاب بالبحرين وتولى رئاستها لثلاث سنوات، وبالعام 1974 أسس دار الغد للنشر والتوزيع بالبحرين، وبالعام 1994 أدر مجلة البحرين الثقافية، وبالعام 2001 وبتكليف من جلالة الملك المعظم أسس إدارة البحوث الثقافية وتولى إدارتها، وساهم في تأسيس الكثير من المنظمات والمراكز والمؤسسات الثقافية، وشارك في العديد من المؤتمرات والملتقيات الأدبية والفكرية داخل البحرين وخارجها، وأقام الكثير من الأمسيات والمهرجانات في الكثير من الدول العربية والأجنبية، ونال الشاعر علي عبدالله خليفة الكثير من الأوسمة والجوائز والشهادات التقديرية على جهوده.
في يوم الاثنين 22 يونيو 2026 توفي الشاعر علي عبدالله خليفة، ونتمنى أن يتم تخليد اسمه لإسهاماته الوطنية المتميزة التي لا يسع المقام لذكرها، ولا نقول في هذا المصاب الجلل إلا ما يرضي ربنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

صحيفة الأيام البحرينية - العدد 13599 الخميس 2 يوليو 2026 



مع الشاعر #علي_عبدالله_خليفة والشاعر العراقي #عباس_جيجان