العلاقة المسمومة بين مقر خاتم الأنبياء والموبذان الإيراني
بقلم الكاتب صلاح الجودر
أثناء الحرب الأخيرة بين إيران وأمريكا وإسرائيل، وهي حرب الأربعين يومًا، برز أسم إيراني جديد كمتحدث رسمي عن مقر خاتم الأنبياء الإيراني المركزي (غرفة العمليات العسكرية الإيرانية)، ومنسق العمليات العسكرية بين الجيش الإيراني والحرس الثوري، وهو المعروف بالعميد إبراهيم ذو الفقاري، وأصبح اسمه حاضرًا في النشرات العسكرية الإيرانية أثناء الصراع الدائر بين إيران وأمريكا، والمواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران وحزب الله، وكذلك العدوان الآثم على دول الخليج والأردن بدعوى ضرب القواعد الأمريكية بالخليج، لذا يتساءل الكثير عن مقر خاتم الأنبياء الإيراني، ودوره في الأحداث الأخيرة بمنطقة الشرق الأوسط؟، وعلاقته بالموبذان أو ولي الفقيه الإيراني؟!.
من هو الموبذان الإيراني؟
المتأمل في تاريخ إيران القديم والحديث يرى بان مؤسساتها السيادية تمزج بين الشأن الديني والشأن السياسي، وهي برغماتية نادرة في النظم السياسية، فتتخذ شخصيات ذات علاقة بالشأن الديني وتمتلك بعدًا سياسيًا تستطيع من خلاله إدارة شئون الدولة، وهي شخصيات ملونة في خطاباتها ومواقفها لأقصى درجات التعاطي، فهل تلبس العمامة الدينية ليلاً والبدلة السياسية صباحًا إلى درجة صعوبة التفريق بينهما، ولكن هذه الشخصيات ليست هي المحرك الرئيس ولا الرأس المدبر بإيران، فمن يقوم على رأس الهرم في الغالب شخصية مستترة، أو غائبة أو محتجبة، كأن يكون المرشد العام أو المرشد الأعلى أو الولي الفقيه، وفي إيران أثناء المجوسية القديمة هناك شخصية بذات الصفات وهو (الموبذان)، وهي شخصية تمسك بزمام السلطتين الدينية والسياسية في ذات الوقت، ولما أحدث الإمام الخميني الانقلاب على نظام محمد علي رضا بهلوي (آخر ملوك الدولة البهلوية) في العام 1979 استحدث ذات الشخصية، بذات الصلاحيات، واستبدل الاسم من (الموبذان) إلى مسمى (الولي الفقيه)، وهو الذي يمسك بزمام الأمور الدينية والسياسية في إيران، متجاوزًا كل الصلاحيات بالدولة بما فيها رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ورئيس البرلمان ورئيس الأمن القومي، بمعنى أنه هو السيد الأول المطاع!.
والموبذان الإيراني هو لقب كبير الكهنة، والزعيم الروحي للديانة المجوسية القديمة (الزرادشتية)، ويعتبر المفتي العام أو قاضي القضاة بالمصطلح العربي، وقد فسر المسعودي كلمة (المو) الدين، وكلمة (بذ) حافظ، بمعنى حافظ الدين، وقال اليعقوبي بأنها تعني عالم العلماء، وقد جاء ذكر الموبذان في أحد الأحاديث (كتاب هواتف الجِنان للخرائطي وكتاب دلائل النبوة لأبو نعيم)، وإن كان في الرواية ضعف إلا أنها تحدثت عن ليلة مولد النبي صلى الله عليه وسلم، ودلائل سقوط كسرى وزوال ملك فارس، بأنه في تلك الليلة: (ارتجس إيوان كسرى، وسقطت منه أربعة عشر شرافة، وخمدت نار فارس، ولم تخمد قبل ذلك بألف عام، وغاضت بحيرة ساوى، ورأى الموبذان إبلا صعابًا تقود خيلاً عرابًا قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها)، وكان لملوك فارس قديمًا (الموبذان)، وهو الذي يقوم بأدوار متعددة ومنها: الدور الديني والاجتماعي والسياسي، بتفسير النصوص الدينية، والإشراف على الطقوس والقضاء بناءً على التعاليم الزرادشتية.
موقع مقر خاتم الأنبياء من الهرم العسكري
المؤسسات العسكرية في إيران متعددة ومتنوعة وذات علاقة مباشرة بالمركز الذي يمثله (الموبذان) أو الولي الفقيه، وهو حاليًا غائبًا عن الأنظار بعد مقتل وتصفية على خامنئي وأركان دولته أثناء القصف الأمريكي والإسرائيلي في 28 فبراير الماضي (2026)، ومن تلك المؤسسات الحرس الثوري (تشكل في 15 مايو 1979)، والجيش والشرطة (تأسست الشرطة في مطلع العام 1992) والباسيج (مجموعة من القوات الشعبية التي تم تأسيسها في نوفمبر 1979)، وأخيرًا والأهم والأخطر على الإطلاق (مقر خاتم الأنبياء)، وهو محور الحديث لما قام به من دور بارز أثناء الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية بتحريك أذرع إيران الإرهابية بالمنطقة، وكذلك العدوان بالصواريخ البلاستية والطائرات المسيرة على دول الخليج العربية والأردن، وقد تخلى عن مساندة القضية الفلسطينية أو الدفاع عن غزة رغم شعاراته الثورية التي استمرت لأكثر من سبع وأربعون سنة!.
ومقر خاتم الأنبياء تم تأسيسه في العام 1981 كشركة هندسية إيرانية للإعمار تحت إشراف الحرس الثوري الإيراني، وهي الذراع الأقوى للحرس الثوري، وأحد أكبر المقاولين في إيران، وبرز دورها في أعقاب الحرب الإيرانية العراقية (فتم بناء مقر خاتم الأنبياء في 1989 ليصبح أهم كيان اقتصادي وعسكري في إيران) من خلال أعمال البناء والإعمار في إيران، وتطور عمله خلال تلك السنين ليشمل قطاعات كبيرة مثل النفط والغاز والصناعات المعدنية والماء والكهرباء والاتصالات وبناء السدود وإنشاء خطوط الجديد والطرق والنقل.
وقد صنفته الولايات المتحدة كمنظمة إرهابية أجنبية، وتم إدراجه على قائمة العقوبات بعد أن أصبح أحد أذرع الحرس الثوري الإيراني، وذلك للدور الذي يلعبه هذا المقر في الاقتصاد الإيراني والساحة العسكرية، وقد تعالت الأصوات في الداخل الإيراني اعتراضًا عن استحواذ الحرس الثوري على الكثير من المشاريع، وتطالب بخروجه من الاقتصاد الإيراني لإفساح المجال لشركات القطاع الخاص بالاستثمار في الداخل الإيراني، وقد جاء الانتقاد من قبل الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني حين قال: (إن الحرس الثوري لن يكون سعيدًا، إلا عندما تصبح الدولة بأكملها تحت سيطرته)، وقال في مقابلة صحفية أخرى: (لديهم الآن السلاح والمال، فكيف سنخرجهم من الاقتصاد؟)، وقد انتقد الرئيس الأسبق حسن روحاني دور هذه المؤسسة واحتكارها لكافة المشروعات الاستثمارية في البلاد، ورفضها دخول الاستثمار الأجنبي إلى إيران، وقد صرح علانية قائلاً: (لقد سلمنا الاقتصاد الإيراني إلى حكومة بالبنادق)، وهو ما دفع المحلل الاقتصادي حامد قدوسي بالقول لـ«عربي بوست»: (خاتم الأنبياء توغل بصورة كبيرة جدًا في السوق الإيرانية، واحتكر كافة المجالات بدلاً من مساعدة الحكومة، وساعده في ذلك القوة التي استمدها من نفوذه العسكري وقربه من المرشد الأعلى، لدرجة جعلته ينهي وجود القطاع الخاص تمامًا في إيران).
مقر خاتم الأنبياء في بداياته كان يحمل اسم (مقر كربلاء) وهو أحد الأذرع الأساسية في التخطيط وتنفيذ العلميات الكبرى داخل إيران وخارجها، وكان يدير الكثير من المقار الفرعية مثل كربلاء والنجف ونوح والقدس، والتنسيق مع الجيش والوحدات شبه العسكرية مثل قوات الباسيج الشعبية واللجان الثورية، ودور هذا المقر هو التنسيق لمنع التضارب بين الجيش النظامي والحرس الثوري، ولكن هناك خلافات كبيرة بين الطرفين، خاصة وأن الجيش وقياداته يشعر بأن الحرس الثوري قد سحب البساط من تحت قدميه بعد أن انتقلت القيادة إلى الإمام الخامنئي الذي تم تصفيته في الضربة الأولى يوم الثامن والعشرين من فبراير 2026.
وقد تولى مقر خاتم الأنبياء تلاوة البيانات العسكرية منذ اليوم الأول للصراع، وإرسال رسائل التهديد لدول الجوار، ويعد ذوالفقار هو الوجه الإعلامي العسكرية الأبرز الذي لم يتم استهدافه وتصفيته بعد أن استولى الحرس الثوري على السلطة في إيران بدعوى الدفاع عن الثورة الإيرانية وحماية الولي الفقيه.
من هنا نجد بأن هناك علاقة قائمة اليوم بين مقر خاتم الأنبياء وموبذان إيران (ولي الفقيه) الغائب عن المشهد السياسي رغم ما يتعرض له الشعب الإيراني من موت بلا رحمه، فهل يستفيق الشعب الإيراني ويمسك بزمام الأمور قبل أن يتم تدمير وطنه بدعوى خروج الغائب، وعودة المختفي، وقد قال تعالى: (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) «النساء: 29».
صحيفة الأيام البحرينية - العدد 13595 الأحد 28 يونيو 2026
0 تعليقات