نظرية أم القرى الإيرانية.. من الفكرة إلى المشروع بقلم الكاتب: صلاح الجودر
في لقاء معالي وزير الداخلية الفريق أول الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة برؤساء ومسؤولي المأتم والمواكب الحسينية بالبحرين أشار إلى مصطلح (أم القرى) وذلك للتحذير من هذا المصطلح والمرتبط بمشروع ولاية الفقيه الإيراني، وقد قصد معاليه بخطورة تبعية التنظيمات والكيانات المحلية بولاء مطلق لمشروع إيران التوسعي والمعروف بـ(تصدير الثورة الإيرانية) كمظلة يمكن القبول بها إعلاميًا، ولكن في حقيقتها هو نظرية تم تحويلها من فكرة إلى مشروع إيراني، مما يهدد دول المنطقة، ويستهدف الأمن والاستقرار فيها وبسيادتها، وإن كان المصطلح قديم إلا أنه اليوم حاضر وبقوة في الكثير من الدول العربية والخليجية التي عانت من التدخلات الإيرانية بشئونها الداخلية!!
قبل عشر سنين أو يزيد تم التحذير من خطورة نظرية (أم القرى الإيراني)، فقد تناوله الكاتب سعيد الحمد (رحمة الله) تدقيقًا وتمحيصًا في مقال بصحيفة الأيام البحرينية، العدد 9534 تاريخ 17 مايو 2015 (أُم القرى من النظرية إلى التطبيق)، والكاتب محمد الرميحي تحليلًا واستنتاجًا في مقال بصحيفة الأيام البحرينية، العدد 10087 تاريخ 20 نوفمبر 2016 (استراتيجية أم القرى)، واليوم نرى خطورة هذه النظرية لما تحمله من تهديد على العلاقات الإقليمية، والأمن والاستقرار الدولي، فهذه النظرية القائمة على عقيدة سياسية واستراتيجية قد تم طرحها في الثمانينيات بعد الانقلاب الذي قام به مرشد الثورة الإيرانية الإمام الخميني، وذلك بواسطة المفكر الإيراني محمد جواد لاريجاني وهو أخ (علي جواد لاريجاني الذي شغل منصب أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وكان رئيس مجلس الشورى الإيراني، وعضوًا في مجلس تشخيص مصلحة النظام حتى اغتيل في 16 مارس 2026 في حرب إيران وأمريكا وإسرائيل)، والنظرية تقوم على جعل إيران قبلة المسلمين الأولى بدل مكة المكرمة، ومركز القيادة في منطقة الشرق الأوسط، وهي نزعة قديمة نفذها أبرهة الحبشي فنال غضب الله وسخطه وأرسل إليه طير الأبابيل المذكورين بالقرآن الكريم، فإيران بهذه النظرية تحاول تحريك الحركات والتنظيمات الولائية لتدور في فلك مشروعها الفاسد (ولاية الفقيه الإيراني)، سواء حركات شيعية أو سنية أو غيرها، المهمة تكون مدينة قم الإيرانية مركز المشروع بعد إطلاق مسمى أم القرى الإيرانية عليها.
من المتعارف عليه تاريخيًا بأن مسمى (أم القرى) يطلق على مكة المكرمة، ولم يعرف مكان بهذا الاسم إلا التي بالحجاز بالمملكة العربية السعودية، وهي التي نزل فيها الوحي والكتاب على خاتم الأنبياء والمرسلين، وذلك لقوله تعالى: (لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَىٰ وَمَنْ حَوْلَهَا)، فالنظرية الإيرانية تقوم على أن أم القرى تتغير وفق الظروف الزمانية، فلا تقتصر على مكان واحد عبر السنين، لذا فإن النظرية الإيرانية ترى تغير مكان أم القرى إلى إيران، فالإسلام - كما يرى واضع تلك النظرية - هو ما يقوم به مشروع ولاية الفقيه الإيراني، فتم اختيار مدينة قم الإيرانية لتكون محور المشروع بدل مكة المكرمة، فيحاول محمد جواد لاريجاني نقل مركزية العالم الإسلامي سياسيًا وجغرافيًا من مكة المكرمة إلى إيران!.
وتتجلى أبعاد وخلفيات تلك الاستراتيجية إلى جعل إيران مركز العالم الإسلامي، وإذا ما تعرض هذا المركز للخطر فإن من الواجب الدفاع عنه والتضحية من أجله، فلا قيمة للدول والمجتمعات إذا ما تعرض المركز (أم القرى الإيرانية) للخطر، وهذا ما يفسر سحب الولاءات الوطنية لصالح نظام مشروع ولاية الفقيه في إيران، وقد شاهدنا فرح أتباع هذا المشروع حين كانت بلادهم تضرب بالصواريخ الإيرانية والمسيرات، بل ويصرخون هل من مزيد؟!
من المشاريع المتقدمة التي تقوم عليها نظرية (أم القرى الإيرانية) هو عمل خطوط دفاعية متقدمة في الدول القريبة، وأبرزها الدول العربية، العراق وسوريا ولبنان واليمن والدول الخليجية، وهي بيئات حاضنة لهذا الفكر التدميري، وتتقبل المشاريع المتدثرة بالدين والمذهب لغياب المشروع العربية الكبير، وهو ما يسوق قبول المشروع الإيراني بالمنطقة العربية، فتقوم إيران بتصدير فكرها ومشروع عبر كيانات سياسية ومليشيات إرهابية مسلحة إلى خارج الحدود،وتكون على علاقة مباشرة بالحرس الثوري الإيراني وذات العلاقة مع بقية التنظيمات الموالية لإيران بالمنطقة وتسير في فلكها الإرهابي.
نظرية أم القرى الإيراني أصبحت المحرك الرئيسي للمشروع الإيراني التوسعي بالإضافة إلى (مشروع ولاية الفقيه ومشروع تصدير الثورة الإيرانية)، وهو جعل إيران مركز العالم الإسلامي بعد ابتلاع الدول العربية بدثار الدين والمذهب، فهذه النظرية تحتاج للكثير من الجهد والعمل والمال، وهو ما قامت به إيران خلال الست والأربعين السنة الماضية، فقد قامت بصناعة الكثير من المليشيات والأحزاب والخلايا الإرهابية في العراق ولبنان وسوريا، وقامت بدعم حركة حماس في غزة، وساهمت بزراعة الكثير من الخلايا الإرهابية في دول الخليج، وبعد التحري والتحقيق مع التنظيمات الموالية مذهبيًا لمشروع ولاية الفقيه تكشفت الحقائق بأن تلك التنظيمات تسعى لتطبيق نظرية أم القرى الإيرانية في دولها العربية، وتحويل المجتمعات إلى أذرع للمشروع الإيراني التوسعي.
نظرية أم القرى الإيرانية قد جاءت من فكر محمد جواد لاريجاني، وتم كتابتها في وثيقة بعنوان (مقولات في الاستراتيجية الوطنية، شرح نظرية أم القرى الشيعية)، وترجم النص من اللغة الإيرانية إلى العربية الدكتور نبيل علي العتوم (أكاديمي وإعلامي وباحث سياسي أردني بارز، يُعد من أبرز الخبراء المتخصصين في الشأن الإيراني والعلاقات الدولية)، وقد ذكر أن الوثيقة المكونة من مائة وسبع وستين صفحة تتحدث بأن إيران ليست فقط إحدى الدول الإسلامية، بل هي كل الإسلام!، وانتصار أو هزيمة إيران هي انتصار أو هزيمة الإسلام!
وخطورة الوثيقة بأنها ترفض التقسيمات الحدودية «الظالمة» كما تصفها، وأن دول الإسلام جميعها أمة واحدة يقودها (الولي الفقيه) في إيران، وتشير الوثيقة إلى أهمية التوسع في الجوار العربي، وأنه تكليف إلهي يجب أن يبسط على أرض الإسلام، وترى الوثيقة كذلك لأهمية إعلاء العرق الفارسي والكسراوي ولو بدثار الدين والمذهب!
نظرية أم القرى الإيرانية التي صاغها لاريجاني تؤكد على خطورة المشروع الإيراني التوسعي، فهو مشروع قائم على نظرية عدوانية توسعية، وليس فكر مجموعة من البشر، أو عدد من الأفراد، هو نظام راديكالي يترجم الواقع بشكل عدائي، ويستخدم الميليشيات والأحزاب الولائية، والحماس الجماهيري للإيهام بالانتصار، وتصوير الخسائر والهزائم بأن انتصار إلهي غير مرئي، وهي في حقيقتها هلوسات وخزعبلات يصدقها البسطاء من الناس!
نظرية (أم القرى الإيرانية) اليوم تشاهد آثارها على الساحة العربية، فقد تعرضت الكثير من الدول العربية للعدوان الإيراني، واحتلال أجزاء كثيرة بدعوى تحرير القدس والدفاع المقدس، وقد أسهم في ذلك التنظيمات والأحزاب التي آمنت بهذه النظرية والمشروع، لذا جاء تحذير وتنبيه معالي وزير الداخلية لتفويت الفرصة على نظام ولاية الفقيه من تمرير نظرية أم القرى الإيرانية إلى المجتمع البحريني!!
صحيفة الأيام البحرينية - العدد 13585 الأربعاء 18 يونيو 2026

0 تعليقات