خطورة المواطنة الموازية

 

خطورة المواطنة الموازية - الخطيب الشيخ صلاح الجودر

أما بعد: فيا أيها الناس، أوصيكم ونفسـي بتقوى الله عز وجل، فاتقوه رحمكم الله، وأحسنوا فهو سبحانه مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، قال تعالى:(اتقوا الله وقولوا قولا سديدا) [الأحزاب: 70].

عباد الله، في زمن الفتن والمحن يحتاج الفرد إلى مكان آمن يحمي فيه نفسه وأسرته وقيمه وثوابته، وبيئة صالحة ترعى المقدرات والمكتسبات، فضلاً عن تحقيق الرؤى، والمتأمل في تاريخ الأمم والحضارات يجد أنها لم تحقق التقدم إلا من خلال مجتمعات آمنة مستقرة، إذ لا قيمة للإنسان إلا بوطن يؤويه وأرض تحتويه، لذلك جبلت النفوس على حب أوطانها، وتعزيز قيم الولاء والانتماء لها، بل إن الطيور لتحن إلى أوكارها، والبهائم العجماوات لتحافظ على زرائبها.

أيها الإخوة المؤمنون، إن حب الوطن والعمل من أجله والمحافظة على أمنه قد جاءت بها الشريعة الغراء، قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوْ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِنْهُمْ) [النساء: 66]، فجعل الله قتل النفس موازي الإخراجَ مِن الدّيار، فالوطن والنفس تعني الحياة، وهذا رسول الله  يعلن عن حبه لوطنه مكة: (والله، إنّكِ لأحَبّ البقاعِ إلى الله وأحبّ البقاع إليَّ، ولولا أني أُخرِجتُ منك ما خَرَجتُ) [الإمام أحمد وأهل السنن]، وجاء عن الفاروق عمر: (بحُبِّ الأوطان عُمِرت البلدان)، ويقول إبراهيم بن أدهم: (ما قاسَيتُ فيما تركتُ من الدّنيا أشدّ عليَّ من مفارقة الأوطان)، وقيل لبعض الحكماء: ما الغِبطة؟ قال: الكفايةُ، ولزوم الأوطانِ، والجلوس مع الإخوان، قيل: فما الذلة؟، قال: النزوحُ عن الأوطان، والتنقلُ بين البلدان.

عباد الله، إن المواطنة الصالحة يتحقق من خلالها الاستخلاف المنشود لأعمار الأرض، قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة: 30]، وقال تعالى: (هُوَ أَنشَأَكُمْ مِنْ الأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) [هود: 61]، وجاء عن أبي سعيد الخدري عن النبي قال: إن (الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون) [مسلم]، فالوطن هو المكان الذي تتحقق فيه عبادة الله تعالى والتزام أمره ونهيه، وتعتبر المواطنة الصالحة عاملاً رئيسياً في البناء والنماء والاصلاح الاجتماعي، فاذا عاش أفراد المجتمع على قيم الولاء والانتماء لوطنهم وقيادتهم فإنهم ينعمون بالأمن والاستقرار.

أيها الإخوة المؤمنون، إن المواطنة الصالحة تأتي من خلال تحقيق القيم والمبادئ الإسلامية ومنها التعاون، قال تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: 2]، وقول النبي : (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) [البخاري ومسلم]. وكذلك الأمن والاستقرار، إذا لا تتحقق المواطنة الصالحة إلا من خلال تعزيز الأمن والاستقرار بالمجتمع، قال تعالى: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ*الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) [قريش: 3-4].

عباد الله، لا تتحقق المواطنة الصالحة إلا بالتسمك بالثوابت الوطنية، ومنها قيم الانتماء للوطن، والولاء للقيادة السياسية، وتعزيز الأمن والاستقرار، والوحدة الوطنية، والتمسك بالهوية العربية، والمحافظة على المكتسبات، وهي ثوابت توافق عليها أبناء هذا الوطن في الكثير من المواقف الوطنية والتاريخية. أيها الإخوة المؤمنون، إن وطنكم البحرين استطاع بفضل الله وكرمه أن يحقق الأمن والاستقرار في ربوعه، وأن يعزز قيم المواطنة والولاء والانتماء، ويكون وطن التسامح والتعايش، وما كان له ذلك إلا بعد الإيمان بالله وحده لا شريك له، والتسمك بقيادته السياسية المتمثلة في جلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، وتحمل الجميع لمسئولياته الوطنية، وبكم أنتم أيها الناس ينتصر الوطن.

أقول قولي هذا واستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين، فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.


الخطبة الثانية:

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد،، عباد الله، إن وطنكم البحرين استطاع من مواجهة الكثير من المخططات والمؤامرات التي استهدفت أمنه واستقراره، وحافظ على مكتسباته من أجلكم أنتم، ومن أجل أبنائكم، ولا زال العدو يتربص ويخطط ويتآمر، لذا يجب الحذر واليقظة على الدوام.

عباد الله، إن من أخطر المشاريع المطروحة بالمنطقة العربية اليوم ما يعرف بالهوية الموازية والتي تحدث عنها معالي وزير الداخلية الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة في اجتماعه الأخير (مع رؤساء المآتم)، وهي موازية للهوية الوطنية الأصيلة، وخطرها هي أنها احدى مشاريع النظام الإيراني الإرهابي، وأحد محاولاته السافرة لاختراق الدول العربية والخليجية، فالمواطنة الموازية تعني تقويض سيادة الدولة عبر خلق ولاءات خارجية تعلو على الولاء الوطني والقانون العام، وهذا المفهوم بلا شك يهدد التماسك المجتمعي، والاستقرار الاجتماعي، فهذا الفكر والمشروع يفكك النسيج الاجتماعي، ويعمق الانقسام المجتمعي، وينشر خطابات الكراهية، ويدفع إلى العنف والتطرف والتشدد، ويقيم أحزاب وجماعات تسعى لإضعاف الدولة باستخدام القوة والعنف.

والسؤال: أين يتم صناعة الولاءات الموازية؟، والحقيقة أن هناك من يؤمن بهذا الفكر الفاسد، ويعمل تحت مظلة الحرس الثوري الإيراني الإرهابي، فيتم نشر هذا الفكر في المؤسسات الدينية والخيرية والاجتماعية والثقافة، ويتم ترهيب الفعاليات المجتمعية لقبوله ونشره كأحد مشاريع فكر ولاية الفقيه الإيراني الذي استهدف البحرين ودول الخليج خلال الأشهر الأربعة الماضية.

عباد الله، إن التفريط في حق الوطن، واهمال أداء الواجب يجلب العواقب الوخيمة على الفرد والمجتمع، إن من حق أوطاننا علينا أن نعزز الأمن والاستقرار فيها، وأن نغرس قيم الولاء والانتماء في أبنائنا، وأن نحذر عدونا الأول إيران، راعية الإرهاب، ومحور الشر بالمنطقة، فقد دمرت العراق وسوريا ولبنان واليمن، وضربت دول الخليج والأردن، وهي اليوم تسعى جاهدة لتدمير دول الخليج العربية، فالحذر الحذر من المخططات الإيرانية، والحذر من أذرع وخلايا إيران.

إلا فاتقوا الله رحمكم الله، وحافظوا على أمنكم واستقراركم تسلم لكم أوطانكم، ويبارك لكم في أهليكم وذرياتكم.


الشيخ صلاح الجودر

خطيب جامع الخير بالبحرين

12 يونية 2026


إرسال تعليق

0 تعليقات