قراءة في مضامين الخطاب السامي
بقلم الكاتب صلاح الجودر
ترأس جلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة لمجلس الوزراء (السلطة التنفيذية) من أجل التأكيد على الثوابت الوطنية، وقيم المشروع الإصلاحي المتوافق عليها في الدستور والميثاق لتعزيز أركان الدولة المدنية الحديثة، الدولة القائمة على الولاء والانتماء والوحدة الوطنية، وفق القيم الحضارية، السلام والتسامح والتعايش، لذلك تضمنت كلمته السامية الكثير من التوجيهات الملكية القائمة على الإرث التاريخي لهذا الوطن، وكذلك خريطة الطريق في ظل الأوضاع الاستثنائية التي تشهدها المنطقة والعالم، وما ترأس جلالته لمجلس الوزراء إلا لمتابعة القضايا المختلفة والملفات ذات الأولوية الوطنية.
لقد حمل الخطاب السامي لجلالة الملك المعظم الكثير من الرسائل الوطنية والسياسية والاستراتيجية في ظل الظروف الاستثنائية التي تشهدها المنطقة، وهي متغيرات جيوسياسية بسبب الحرب القائمة بين أمريكا وإسرائيل وإيران، وكذلك العدوان الإيراني السافر على البحرين ودول مجلس التعاون العربية، لذا من الأهمية أن يعي الفرد حساسية المرحلة ومنعطف العلاقات، وأن لا يسقط الفرد في فخ التبرير للعدوان الإيراني!، أو الانحياز لأحد أطراف الصراع والحرب!، أو يراهن على حساب وطنه ومجتمعه!، فمن الضروري التفريق بين العدوان والحرب، والصديق والعدو، وأن ترى الأحداث بصورة أشمل وأوسع وما تشكله من أخطار على دول المنطقة.
لقد استهل جلالة الملك المعظم خطابه السامي بكلمات الشكر والتقدير والعرفان لكل مواطن مخلص ومقيم على دعمه ومساندته لكل الإجراءات التي قامت بها الحكومة الرشيدة وذلك لتحصين الجبهة الداخلية، والوحدة الوطنية، والتي من الأهمية في مثل هذه الظروف أن تزداد قوة ومتانة، وأن لا يترك مجال للفرقة والخلاف، جبهة وطنية تؤكد قوة المجتمع وتماسكه، وهذا ما أكدت عليه مؤسسات الدولة وموظفيها أثناء العدوان الإيراني، والجمعيات والشركات والمراكز والمجالس، والفعاليات المجتمعية والأدباء والكتاب والشعراء وغيرهم، وهو شكر مقدر ومثمن لدى جلالة الملك المعظم لتعزيز الجبهة الداخلية.
لاشك أن الحب يقابل بالحب، والوفاء بالوفاء، وهذه من أكثر الكلمات الملكية تأثيرًا بالمجتمع البحريني، فقد ثمن جلالته مشاعر المواطنين والعائلات البحرينية، ووصفه لمشاعرهم الصادقة بأنها كانت ذات أثر بالغ في النفس وتأكيده على أن من الشرف مبادلتهم الوفاء وتجديد عهد الذود عن الوطن، فمشاعر المواطنين نابعة من القلب تجاه جلالة الملك المعظم، وهي تأكيد كبير على قيم الولاء للقيادة السياسية والانتماء الوطني، فتدافع المواطنين على مراكز التوقيع على وثيقة الولاء عكست الوعي الوطني الكبير الذي يتمتع به المواطن، والأسرة والعائلة البحرينية، فقد أظهر الجميع مشاعرهم الصادقة تجاه جلالة الملك المعظم، وتجاه وطنهم البحرين، وهي أخلاق متوارثة من المؤسسين الأوائل للبحرين منذ عهد الشيخ عيسى الكبير.
لقد تناول جلالة الملك المعظم في خطابه السامي العدوان الإيراني الغاشم، وهو عدوان غير مسبوق، فقد اعتادت دول الخليج قاطبة على أن العدوان الإيراني (سابقًا) يأتي عبر خلايا إرهابية يتم تدريبها في إيران والعراق ولبنان، ويتم الإمساك بها بضربات استباقية تقوم بها وزارة الداخلية، ولكن في هذه الظروف الاستثنائية التي تشهدها المنطقة بسبب الحرب القائمة بين أمريكا وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها من جهة أخرى، فقد تعرضت البحرين ودول الخليج العربية لعدوان إيراني سافر وغاشم من خلال الصواريخ البلاستية والطائرات المسيرة التي استهدفت المواطنين والمقيمين في مساكنهم، وفي المقابل هناك أمر مشرف هو صمود البحرين وضبطها للنفس في حرب الدفاع، وهي حرب غير مسبوقة سيسجلها التاريخ بمداد من ذهب، وكيف أن البحرين المؤمنة بالسلام والاستقرار والأمن لم تطلق رصاصة واحدة باتجاه المعتدي إيران!، ولن ينسى التاريخ وقفت أبناء البحرين تجاه العدوان الإيراني الذي استهدف وطنهم ومجتمعهم!، وقد ربط جلالته بين الصمود وضبط النفس، وهو نهج قائم على الحكمة والمسؤولية التي يتحلى بها جلالة الملك المعظم، فقد استطاع من ضبط إيقاع المجتمع البحريني، وعدم الدخول في مستنقع الصراع الدائر بين إيران وإسرائيل ومن خلفهم أمريكا.
وبالنسبة للأوضاع الإقليمية التي خلفتها الحرب بين أمريكا وإسرائيل والتي كان من أبرز آثارها إغلاق مضيق هرمز، فقد أكد جلالته بأن هذا الممر المائي هو ممر بحري دولي ولا يمكن إغلاقه أو العبث بأمنه، ويجب أن يعود إلى سابق عهده كما نصت عليه المواثيق الدولية والقوانين الأممية وأبرزها قرار مجلس الأمن رقم 2817 والذي أدان إيران على أعمالها الإرهابية تجاه دول المنطقة وكذلك ادانتها على إغلاق مضيق هرمز، لذا من الأهمية نزع أسباب الخلاف بالمنطقة وعودة العلاقات الدولية إلى ما كانت عليه قبل الثامن والعشرين من فبراير 2026.
لقد سعى جلالة الملك المعظم إلى توضيح الأسس الحضارية لمعالجة الإشكاليات التي يواجها العالم، وأن تلك الإشكاليات لا تعالج فقط بالآلة العسكرية أو الإجراءات الأمنية، بل هناك وسائل أخرى أكثر هدوءًا وسلامة، ومنها الدبلوماسية الهادئة التي عرفت بها البحرين منذ القدم، وعززها جلالة الملك المعظم منذ توليه مقاليد الحكم بالعام 1999، وقد تمثلت في الكثير من المبادرات وأبرزها (حوار المنامة)، وإعلان مملكة البحرين للتسامح والتعايش، وإنشاء مركز الملك حمد العالمي للتعايش والتسامح، فهي دبلوماسية هادئة قائمة على التفاهم والتعايش المتحضر، وتنمية الإنسان، وتعميق الوعي المجتمعي بمفهوم التاريخ المشترك وروابط الجوار، وهي الأسس المستدامة والشاملة التي قامت عليها البحرين.
ونيابة عن المجتمع البحرين، مواطنين ومقيمين، فقد وجه جلالة الملك المعظم تحية ملكية خاصة تحت راية الوطني، تحية فخر واعتزاز لكل القطاعات العسكرية والأمنية، قوة دفاع البحرين والحرس الوطني ووزارة الداخلية، وهي رسالة شكر وثناء مستحقه لكل رجال المؤسسات العسكرية والأمنية لما أظهروه من كفاءة عالية، ورباطة جأش في مواجهة العدوان الإيراني الغاشم، وهذا الشكر من جلالة الملك المعظم باسم المجتمع البحريني بأكمله لكل جندي وشرطة في الميدان.
الخطاب الملكي السامي جاء والمنطقة لاتزال على صفيح ساخن، فالحرب بين الأطراف الثلاثة (أمريكا وإسرائيل وإيران) لا تزال مشتعلة، ولن تنتهي لما بين الأطراف الثلاثة من تباينات ومشاريع وأهداف مختلفة، لا تلتقي أبدًا، ولابد لأحدهم أن يفنى، لذا فإن جلالة الملك المعظم ذو الخبرة الكبيرة في شؤون السلم والحرب، ومن منطلق خوفه على شعبه ووطنه فإنه وضع خارطة طريق للمرحلة القادمة ومنها، الاستعداد الدائم لمواجهة التحديات (عدوان، تآمر، تخابر، ارتهان للخارج، خلايا إرهابية، ومخططات تدميرية)، كل ذلك يستدعي الوعي والحذر، وهو عمل يستحق التعاون الداخلي بين أفراد المجتمع ومؤسسات الدولة. وللحديث بقية.
صحيفة الأيام البحرينية - العدد 13571 الخميس 4 يونيو 2026
0 تعليقات