خطبة الأمن الفكري والمخطط الإيراني التوسعي
الشيخ صلاح الجودر - خطيب جامع الخير بالبحرين
أما بعد: فأوصيكم - عباد الله - ونفسي بتقوى
الله عز وجل، فهُدى النفوسِ بتقواها، وبإعراضِها عنها رداها في دينها ودنياها، )يِـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إَن
تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفّرْ عَنكُمْ سَيّئَاتِكُمْ
وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَٱللَّهُ ذُو ٱلْفَضْلِ ٱلْعَظِيمِ) [الأنفال: 29].
أيها الإخوة المؤمنون، من محاسن شريعتنا
الإسلامية الغراء أنها جاءت بحفظ الأموال والأنفس والممتلكات والأعراض والعقول،
وجعلت ذلك مقصد في تحقيق مصالح العباد، فالأمم وتاريخها ومكتسباتها مرهون بسلامة
عقول شبابها وناشئتها، وبمدى ارتباطهم بأصالتهم وثوابتهم وقيمهم وأخلاقهم، جاء
عن أبي هريرة عن النبي
قال:(بادِروا بالأعمال فتنًا كقطَع اللَّيل
المظلم، يُصبح الرَّجُل مؤمنًا، ويُمسي كافرًا، ويُمسي مؤمنًا ويُصبح كافرًا يبيع
دينَه بعرض من الدنيا) [الترمذي].
عباد الله، إن استقرار الأمم لا يتم إلا إذا
تحقق الأمن بمفهومه الشامل القائم على الشراكة المجتمعية، وهو مطلب رئيس لشعوب
العالم، فالأمن الاقتصادي، والأمن السياسي، والأمن الاجتماعي، له صلة بهوية الأمة
وتاريخها وحضارتها، وهناك أمن آخر هو بمثابة حجر الزاوية لما له من تأثير كبير، إلا
وهو الأمن الفكري، فمتى ما أطمئن الناس إلى مخزونهم من الأمن الفكري فإنه يتحقق
لهم الأمن في جميع جوانبه، وإذا ما تلوثت عقولهم بثقافات مسمومة، ومناهج موبوءة،
وأفكار ضالة، وبرامج منحرفة، وولاءات خارجية، فإنه يظهر الوهن، ويعلو الخراب، ويبدأ
الهرج والمرج، وتسفك الدماء، وتنهب الأموال، وتنتهك الأعراض، لذلك حرصت الشريعة
على تعزيز الأمن الفكري.
أيها الإخوة المؤمنون، الأمن الفكري يعني أن
يعيش ويتعايش المسلمون في مجتمعاتهم آمنين مستقرين مطمئنين، كل ذلك منبثق من نصوص الكتاب
والسنة وفهم سلف الأمة، في تناغم كبير بين الفكر والسلوك والهدف والغاية، فإذا
أطمئن المسلم على قيمه ومبادئه وثقافته فإنه يتصدى للأفكار والمناهج والبرامج
الهدامة.
عباد الله، ومتى ما غدت مبادئ الأمة وقيمها محل
للمساومة والمزايدة السياسية، بإطروحات الإلحاد والتغريب، ودعاوى الإرهاب والتخريب،
فإنها تحدث الخواء الفكري والخلل المعنوي، الأمر الذي يؤدي إلى خلل في الجانب
السلوكي والاجتماعي، ولمن شاء منكم فليتأمل في فئام من شباب الأمة حين سلكوا مسالك
الإرهاب والعنف والقتل والتدمير والتفجير، وخرجوا على القانون والنظام!!، وما ذلك
إلا بعد أن غسلت عقولهم، وأشبعت أفكارهم بما يسوغ لها تنفيذ قناعاتها التدميرية، كل
ذلك بسبب الرصيد الفكري والمخزون الثقافي القائم على الإجرام والعدوان بدعوى التضحية
والاستشهاد وتعاليم الدين، والدين منها براء!.
أيها الإخوة، الأمة اليوم وهي تواجه مخططات تغير
هويتها، تمزيقاً وتفتيتاً، واستهدافاً للأرواح والممتلكات، فإنها في أمس الحاجة
لتعزيز الأمن الفكري لدى شبابها وناشئتها، وتحصين الجبة الداخلية، فقد تعددت أسباب
الانحراف ووسائل الإرهاب، خاصة في المنعطف التاريخي الذي يُكاد فيه لشباب الأمة، وقد
شاهدتهم كيف قام شباب من أبناء الأمة بتدمير أوطانهم، العراق ولبنان واليمن، حين ارتهنوا
للمشروع الإيراني التوسعي في اعتقادهم بأن هذا نصر للدين والمذهب، وما هو إلا
مشروع لتدمير دولهم ومجتمعاتهم بأيديهم!!، كل ذلك نتاج فكر منحرف ومنهج ضال للاستيلاء
على مقدرات الأمة وطمس هويتها، فالحذر الحذر عباد الله.
أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم
ولسائر المسلمين فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الحمد لله رب
العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على
أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. أما بعد:
أيها الإخوة
المؤمنون، ما تتعرض له دول الخليج العربية من عدوان إيراني سافر على مساكن
المواطنين والمقيمين، والمنشآت الحيوية، ما هو إلا حلقة في مسلسل إيراني إرهابي
تجاوز الست والأربعين عاماً من الانقلاب على النظام السابق.
فقد قام النظام الإيراني
الحالي والقائم على فكرة ولاية الفقيه التوسعية بمحاولة سحب ولاءات أبناء الدول
العربية، دول الخليج العربية، والعراق ولبنان وسوريا وفلسطين واليمن، كل ذلك تحت
مفهوم ولاية الفقيه، وهو المشروع السياسي المغلف برداء الدين والمذهب، المشروع
القائم على القتل والتصفية والتخريب والتدمير، وقد أثبت هذا المشروع فشله مع أول اعتداء
آثم سافر على دول الخليج، وبدأت خلاياه الإرهابية وتنظيماته الإجرامية بالسقوط في أيدي
رجال الأمن بدول مجلس التعاون الخليج، وهي تنظيمات إرهابية تابعة للحرس الثوري الإيراني
وتنظيم حزب الله اللبناني، وكلاهما تنظيمان إرهابيان مارسوا القتل والتصفية في
الكثير من الدول العربية.
من هنا - عباد الله
- فإن الحذر كل الحذر من سقوط أبنائكم ضحية فكرة ولاية الفقيه الإرهابية، أو الانضمام
إلى إحدى الخلايا الإرهابية في البحرين والخليج، والمسئولية على الآباء والأمهات
بمراقبة أبنائهم، ومتابعة تحركاتهم، ومنعهم خاصة هذه الأيام من مرافقة أصحاب الأفكار
الهدامة، فإن من سيدفع الثمن هم الشباب وأهليهم الذين يتطلعون إلى مستقبل أفضل لأبنائهم.
وليعلم الجميع بأن
القانون سيطبق على الكبير والصغير، المواطن والمقيم، خاصة في ظل العدوان الإيراني
السافر الذي يستهدف دول الخليج تحديداً.
فاتقوا الله رحمكم الله، وتعلقوا بربكم، وحاسبوا
أنفسكم، واهتموا بأبنائكم وأهليكم، وعززوا ولائكم لقيادتكم السياسية وانتمائكم
لوطنكم البحرين، واعملوا واجتهدوا وأخلصوا وأبشروا وأملوا، وأروا الله من أنفسكم
خيرا.
5 يوينو 2026
0 تعليقات