خطبة لا مكان للخيانة في البحرين



الشيخ صلاح الجودر - خطيب جامع الخير بالمحرق

خطبة: لا مكان للخيانة في البحرين

الجمعة الأول من مايو 2026

فيا أيها الناس: اتقوا الله وأطيعوه، وراقبوا أمره ولا تعصوه، واشكروه على جميعِ نعمهِ، واجتهدوا في إصلاحِ ذاتِ البينِ بين المتخاصمين، فإن فسادَ ذاتِ البينِ هي الحالقةُ للدينِ، واحذروا - عباد الله - من أسبابِ النزاعَ والشقاق، والخلاف والتفرقِ، وإياكم من دعاوى الجاهلية في ثوبها الجديد فإنها منتنة، قال تعالى:(ولا تنازعوا فَتَفشَلُوا وَتَذهَبَ رِيحُكُم وَاصبِرُوا إِنَ اللهَ مَعَ الصابرينَ) [الأنفال:46].

عباد الله، لقد اقتضت سنة الله في خلقه أنه لا يصلح حالهم، ولا تستقيم حياتهم إلا في ظل وجود من يسوسهم، فينظم لهم شؤونهم، ويوجه سلوكياتهم، ويحفظ حقوقهم، ويقيم فيهم العدل ويدفع عنهم الظلم، ويمنع الفوضى، وينصح لأمته وشعبه، فيأمن بوجوده الخائف ويقوى الضعيف، ويرتدع الظالم، وتصان الأعراض وتعصم الدماء، وتقام الحدود، ويحفظ الدين، وهذه من أعظم الأعمال في حياة المجتمعات والشعوب، فإذا لم يوجد في حياة الشعوب والمجتمعات والدول من يتولى إدارة حياتهم تحولت الحياة إلى فوضى، وصراعات وحروب، لا تستقر معها حياة، ولا تبنى لها حضارة.

أيها الإخوة المؤمنون، ومتى ما كان ولي الأمر قريباً من الخير، قريباً من الحق، كلما سعدت به أمته، وأطاعته رعيته، واجتمعت حوله القلوب، ولهجت بالثناء عليه الألسن، وخلد التاريخ ذكره، وكتب له التوفيق والسداد، وأجرى الله على يديه كل تغيير وتحول وإنجاز في حياة أمته وشعبه.

عباد الله: إنه لمن الواجب على الأمة طاعة ولي أمرها في غير معصية، وقد دل على وجوب طاعته الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) [النساء: 59]، وعن عبادة بن الصامت قال: (بايعنا رسول الله على السمع والطاعة، في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، قال: إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان) [البخاري]، وعن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: من رأى من أميره شيئا يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبراً فيموت إلا مات ميتة جاهلية [مسلم]، وعن عبد الله بن عمر عن النبي قال: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) [البخاري].

وقال الإمام النووي (أجمع العلماء على وجوب طاعة الأمراء في غير معصية)، وقال الإمام الطحاوي (ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة، ما لم يأمروا بمعصية، وندعو لهم بالصلاح والمعافاة)، وروى البخاري عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم (اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حبشي كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَة).

أيها الإخوة المؤمنون، إن لطاعة ولي الأمر في غير معصية مكاسب تعود على الأمة والمجتمع والأفراد، ومنها: امتثال أمر الله عز وجل، وتحقيق الطاعة متى ما كانت في غير معصية لله ورسوله، قال شيخ الإسلام ابن تيمية (ولهذا روي أن السلطان ظل الله في الأرض، ويقال: ستون سنة مع إمام جائر أصلح من ليلة واحدة بلا سلطان، والتجربة تبين ذلك..)، كذلك طاعة ولاة الأمر فيها تحقيق مصالح العباد والبلاد، من إقامة الصلاة، وأداء الحج، وتحقيق وسائل التقدم والازدهار، وحصول الأمن والطمأنينة لدى الناس على أعراضهم وأموالهم وبيوتهم، فالناس إذا أمنوا على بيوتهم وعلى أسرهم، توجهوا لكسب معاشهم، وفي طاعة ولاة الأمر تقوية شوكة المسلمين واجتماعهم، فتصبح كلمتهم سواء، وقلوبهم متحدة، فهذا كله من أظهر ثمرات الطاعة لولاة الأمر.

عباد الله: لذلك ينبغي أن تكون العلاقة بين ولي الأمر وبين رعيته قائمة على الطاعة والحب والتناصح والتآلف والرحمة، فعن عوف بن مالك قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتُصلون عليهم ويُصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا: يا رسول الله أفلا ننابذهم؟ قال: (لا ما أقاموا فيكم الصلاة) [مسلم].

لذا - عباد الله – فإن طاعة ولاة الأمر واجبة على كل فرد، فالحذر من التعرض لولاة الأمر، أو الحديث عنهم بسوء، أو معصيتهم، فالنصوص القرآنية والأحاديث النبوية تؤكد على طاعة ولاة الأمر لما فيه من صلاح للعباد والبلاد.

 أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين. فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

 

الحمدُ للهِ رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

عباد الله، لقد جاء التحذير من الخيانة، ومن الخائنين في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى، قال تعالى: (إِنَّا أَنزلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا) [النساء: 105]، ونهى المؤمنين عنه الخيانة فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) [الأنفال: 27]، وبيَّن النبي صلى الله عليه وسلم أن أشد الناس فضيحة يوم القيامة هم الخائنون، فقال: (لكل غادر لواء يوم القيامة يقال: هذه غدرة فلان) [متفق عليه]. أيها الإخوة المؤمنون: إن من أعظم الخيانات هي خيانة الأوطان، لهذا فإن الشريعة الإسلامية أوجبت على كل مسلم أن يشارك إخوانه في دفع أي اعتداء يقع على وطنه، وكل مَن قصَّر في أداء هذا الواجب يعتبر خائناً لدينه ولوطنه، ومن الخيانة للوطن أيضا التستر على الخونة والجواسيس، وتبرير أعمالهم الإجرامية.

حمى الله عاهل البلاد المعظم وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، والمواطنين والمقيمين في هذه الأرض الطيبة.

ألا فاتقوا اللهَ رحمكُم الله، واحذروا الفتن، ما ظهر منها وما بطن، ولا تتستروا على خائن أو عميل، فمن أراد منكم الثواب الجزيل، والذكر الجميل فليحافظ على دينه وعرضه ووطنه.

إرسال تعليق

0 تعليقات