الكاتب صلاح الجودر
أعلم كما يعلم الكثير من السياسيين والمحللين والمراقبين أن الحديث تحت أصوات المدافع والصواريخ هو كمن يؤذن في مالطة أو وسط خرابة، فلا أحد يسمع ولا ينصت ولا يعتبر! وهذه الأيام تعود آلة الحرب للمنطقة العربية لتشهد أسوء صور الخراب والدمار بسبب الحرب الدائرة بين إيران وإسرائيل وحليفتها الكبرى أمريكا، مع ذلك فهناك بعض المحاولات لإيقاف الحرب بين الأطراف الثلاثة، وكذلك محاولات لمنع العدوان الإيراني الذي تتعرض له دول مجلس التعاون العربية.
لذا يتساءل الكثير عن وجه الشبه بين الغزو العراقي لدولة الكويت وتهديد الدول الخليجية بدعوى تحرير فلسطين، وكذلك العدوان الإيراني على ذات الدول تحت ذريعة القواعد الأمريكية المتواجدة في مياه الخليج العربي!! فالغزو العراقي للكويت جاء في صبيحة الثاني من أغسطس 1990، وتعرضت خلاله الدول الخليجية لسيل من الصواريخ العراقية التي قيل أنها صنعت لضرب إسرائيل وتحرير فلسطين، فإذا بها تسقط على رؤوس أبناء الخليج العربي، ومنشآتهم الحيوية، رغم أنهم وقفوا مع العراق في حربه ضد إيران طوال السنوات الثماني، والنتيجة النهائية هي خروج القوات العراقية من الكويت مهزومة بحرب (أم المعارك)، أو حرب الخليج الثانية، أو عملية درع الصحراء، أو عاصفة الصحراء، وهي حرب واحدة حملت مجموعة من الأسماء، ودخول القوات الأمريكية إلى العراق واحتلالها، وإفساح المجال للميليشيات الموالية لإيران للسيطرة على مفاصل الدولة، وتحويل العراق إلى حديقة خلفية للحرس الثوري الإيراني! أما العدوان الإيراني تجاه دول الخليج العربية فإنه انطلق في الثامن والعشرين من فبراير 2026 إثر الضربة الإسرائيلية الأمريكية لإيران، وهي هجوم استباقي غير قواعد المعركة التي حملت اسم (الغضب الملحمي - أمريكا)، (زئير الأسد - إسرائيل)، (الوعد الصادق 4 - إيران)، فتم في هذه الضربات الجوية استهداف القصر الرئاسي للمرشد الإيراني (علي خامنئي) الذي لقي مصرعه مع أسرته وقائمة من القادة العسكريين، والكثير من المقار الأمنية للحرس الثوري الإيراني، كما طالت الكثير من المدن الإيرانية والمفاعلات النووية، وهو الأمر الذي دفع بإيران لشن هجمات انتقامية على دول الجوار التي لا علاقة لها بهذه الحرب المجنونة، بل كانت في دائرة التوسط لنزع فتيل الصراع بالمنطقة لما ستخلفه من آثار مدمرة على العالم لسنوات طويلة، فكان حصيلة الهجمات بنسبة 85% على دول الخليج العربية، و15% فقط على إسرائيل، ويخرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي ليتحدثا على العلاقات مع دول الخليج وحسن الجوار!!
الكثير من المحللين يرون التشابه بين النظام العراقي السابق والنظام الإيراني الحالي، وهما وجهان لعملة واحدة، نظامان يعملان بأسلوب الميليشيات الإرهابية التي لا تلتزم بنظام ولا قانون وحقوق للجار! المؤسف أن النظامين يريان في دول الخليج دولًا ضعيفة لا تستطيع الدفاع عن نفسها، وأنه من السهولة الاعتداء عليها وتدمير مكتسباتها، فمع أن الشعارات الثورية بموت إسرائيل، وحرق إسرائيل، وإلقاء إسرائيل في البحر، هي شعارات ثورية مارسها النظامان (العراقي السابق والإيراني الحالي) إلا أن بوصلة العدوان تتجه إلى دول الخليج العربية، وكأن الطريق إلى القدس يعبر من فوق العواصم الخليجية! لا لشيء سوى حالة الأمن والاستقرار والرخاء والازدهار التي تشهدها هذه الدول! بلا شك أن دول الخليج العربية لا تزال تحمل في ذاكرتها الغزو العراقي، بكل ما يحمله من ألم وقسوة، هو اليوم يتجرع ذات الألم والقسوة من جارة أخرى كانت تعرف بجمهورية إيران الإسلامية، وهو وصف (الإسلام) لا يتناسب مع واقع الحال اليوم، فإيران بعدوانها على الدول الخليجية انتفت من نفسها اسم (الإسلامية)، فالإسلام بريء من أعمال القتل والتدمير والحرق، فما بالنا مع دول خليجية مجاورة امتنعت عن الدخول في الصراع، وآثرت الدفاع عن مجتمعاتها بصد العدوان فقط، ولم تطلق رصاصة واحدة! العدوان الإيراني على دول الخليج كشف الكثير من المواقف، مواقف بعض الدول، ومواقف بعض الهيئات، ومواقف بعض أبناء الوطن، لذا يتساءل البعض عن: الفرق بين الغزو العراقي والعدوان الإيراني؟ كلاهما عدوان وإجرام، مجرم هنا ومجرم هناك، سفاح هنا وسفاح هناك! ما الفرق بين من قام بغزو الكويت وتهديد الخليج ومن قام بالعدوان على دول الخليج؟! هناك تساؤل آخر: إذا كانت إسرائيل تقوم بالعدوان على الشعب الفلسطيني، فماذا نسمي أعمال إيران تجاه الآمنين في دول الخليج؟! لابد أن يكون مكيالًا واحدًا، فالقتل والتدمير والتشريد هي صور لأعمال عدوانية وإرهابية وإجرامية، لا يمكن أن نصف ما تقوم به إسرائيل «إرهاب» وما تقوم به إيران «جهاد»!.
اليوم نحن أمام مسئولية تاريخية للدفاع عن أوطاننا، وترتيب أولوياتنا، فإذا كانت فلسطين قضيتنا الأولى، وهي إقامة الدولة الفلسطينية وعودة أبنائها لها، وعاصمتها القدس الشرقية كما جاء في المواثيق الدولية والمبادرة العربية، فإن أوطاننا في الخليج ومنها البحرين هي قضيتنا المصيرية والوجودية، لا يمكن أن اتحدث اليوم عن وطن غير وطني، أو أمن غير أمن أهلي وناسي، فالبحرين أولًا، لأنها قضيتنا نحن أهل البحرين، فما تتعرض له دول الخليج من عدوان إيراني سافر هو شبيه بالغزو العراقي.
من هنا فإن العدوان والإجرام لا يمكن تبريرهما، أو البحث لهما عن مسوغات، وما أكاذيب إيران والشائعات التي تروج لها إلا من أجل شرعنة تلك الأعمال الإرهابية، وهي سابقة خطيرة في العلاقات بين الدول، قد ننسى تحريضها، ومعسكراتها الإرهابية، ومخططاتها ومؤامراتها، ولكن العدوان بالصواريخ والمسيرات الإرهابية أبدًا لن ننساها، هي محفورة في ذاكرة كل بحريني وخليجي وعربي، محفورة في ذاكرة الكبير والصغير، فأيدي النظام الإيراني ملطخة بدماء الأبرياء من الناس في العراق وسوريا ولبنان واليمن، واليوم أيديها ملوثة بدماء أبناء دول الخليج العربية!.
صحيفة الأيام البحرينية - العدد 13511 الأحد 5 ابريل 2026

0 تعليقات