قانون الدولة فوق الدين والمذهب والفكر
بقلم الكاتب صلاح الجودر
القانون فوق الجميع دون استثناء، وهي إجابة مختصرة لسؤال عفوي وبريء طرح قبل أعوام، ففي العام 2009 كنت ضمن وفد من الدول العربية لزيارة ولاية يوتا (Utah) في الغرب الأمريكي، وهي ولاية تتمركز فيها (طائفة المورمن) أتباع (كنيسة يسوع المسيح لقديسي الأيام الأخيرة)، ومعتقدات وممارسات طائفة المورمن فيها تشابه كبير مع تعاليم الدين الإسلامي، وكان من ضمن الحضور شخصيتين بارزتين، راعي الكنيسة ورئيس الجامعة بمدينة سولت ليك، لذا وجهت سؤالًا عفويًا لما لدي من معرفة عن تلك الطائفة: بالمجتمع الأمريكي تنوع وتعددية دينية كبيرة، عقائد وأديان ومذاهب وأفكار، ولكل جماعة أسس وقواعد مقدسة متمسكة بها، وقد تتعارض مع بعض مواد قانون الدولة، فهل تتمسك كل جماعة بالتكاليف الإلهية الخاصة بها أم أن القانون يكون فوق الجميع؟، فكان الجواب أن قانون الدولة هو الذي يسود حتى ينعم الجميع بالأمن والاستقرار والعدالة والمساواة، والقانون لم يوضع إلا بعد توافق الأغلبية ضمن السلطة التشريعية وهو ما يعرف بالدستور، هنا تشكلت لدي قناعة تامة بأن المجتمعات لا تستقر وتزدهر حتى يسود القانون ويحترم ويقدر وينفذ.
والدولة المدنية تعرف بدولة القانون، وهي الكيان السياسي الذي يخضع فيه الجميع لقواعد منظمة وعادلة ومتساوية، واي تجاوز يعتبر كسر للقانون وضرب لهيبة الدولة، ومحاولة لزعزعة أمن واستقرار المجتمع وسيادة العدالة، وهناك أسباب كثيرة تهدف إلى كسر القانون وذهاب هيبة الدولة، ومنها انتشار المحسوبية والواسطات والمصالح الشخصية، واضعاف السلطة الرقابية والإدارية، وتغييب الوعي الوطني بأهمية الالتزام بالقانون، وشيوع الفوضى والعشوائية، وضياع حقوق الفقراء والمساكين، وتفشي الجريمة، وغيرها من الممارسات التي تدفع إلى كسر القانون حتى بلوغ مرحلة الفشل والانهيار.
والإشكالية تبرز حين تظهر بالمجتمعات مجموعة من الأحزاب والحركات والجماعات والأذرع والوكلاء، وتمارس دورًا موازيًا لدور الدولة ومؤسساتها، وقد يدفع ذلك الى تجاوز سيادة الدولة وقراراتها، وقد شاهدنا ذلك في الكثير من الدول التي ظهرت بها أحزاب وحركات وأذرع ووكلاء ومليشيات مسلحة (العراق ولبنان واليمن وسوريا)، وقد يتطور عملها مما يدفعها - تحت أعين الدولة - لتغطية نفقاتها بتهريب السلاح، وغسيل الأموال، والاتجار بالمخدرات والبشر، وتقوم تنفيذ عمليات عسكرية خارج الحدود دون علم الدولة أو موافقتها مما يوقعها في إشكاليات مع جيرانها!، وقد تفلت تلك الأذرع والوكلاء من العقاب لانضوائها تحت قانون الدولة، فتستغل النفوذ السياسي لحماية قادتها وأذرعها ووكلائها بعيدًا عن الدولة الراعية (النظام الإيراني مثال)!
من هنا يجب تفكيك المؤسسات والأذرع والوكلاء التي تعمل خارج الدولة، وذلك بتدابير قانونية وأمنية وإدارية ومالية، فيتم رصد اصولها المعلنة وغير المعلنة، والمسجلة بأسماء أعضائها وذويهم وأقاربهم، ومن ثم تجميد تلك الأصول الثابتة من عقارات وقسائم سكنية، وتتبع الأموال التي تعمل على تجميعها من مصارفها، زكاة وخمس وصدقة وتبرع ومساعدة وغيرها، ومصادرة الأموال السائلة والسجلات التجارية، كما يجب معرفة الواجهات الاستثمارية والمشاريع التجارية التي تتخفى خلفها تلك المؤسسات، سواء باسمها أو أسماء أتباعها وأعضائها.
كما يتم عملية التفكيك بأحكام قضائية لتلك المؤسسات التي تعمل على سحب الولاء الوطني وانهاء الولاء الموازي، لذا يجب تعزيز الوعي الوطني بتعريف المواطن بمخاطر العمل خارج قانون الدولة، ومن ثم استعادة الثقة بمؤسسات الدولة بما يقطع الطريق على الكيانات الموازية التي تعمل لحسابات خارجية.
المسؤولية تحتم على الجميع قراءة الساحة وآثار الحروب والصراعات التي تشهدها المنطقة العربية بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، وما تلتها من أحداث ملتهبة تنذر بصراع لا يبقي ولا يذر!! ولا يمكن صون الأوطان إلا باحترام القانون.
صحيفة الأيام البحرينية - العدد 13655 الخميس 27 أغسطس 2026
0 تعليقات