القاضي الشيخ عبد اللطيف بن علي الجودر
(1296هـ-1366هـ) (1878م – 1946م)
الشيخ عبد
اللطيف بن الشيخ علي بن محمد بن خميس بن حسـن الجودر، ولد في المحرق سنة 1296هـ (1878م)،
أبوه الشيخ علي بن محمد وأمــه أخت الشيخ أحمد بن جاسم الجودر، أما إخوانه فهم
الشيخ الكبير والعالم الجليل والشاعر البليغ الشيخ سلطان وكذلك أخيه الأصغر
إبراهيم وأختان، ولما كبر الشيخ عبداللطيف تزوج من نورة السبيعي فرزق منها ثمانية
أولاد فأما البنين فماتوا جميعاً وعاش له البنات وهن حصة وفاطمة وعائشة.
لقد كان الشيخ
عبداللطيف زاهد في الدنيا عابداً كثير الصلاة وقراءة القرآن وكان يحب الفقراء
والمساكين وكان هادئ الطبع قليل الكلام فيما لا يعنيه وكان وقافاً عند حدود الله
ولا يخاف في الله لومـة لائم، وكان ذو هيبة ووقار يحترمه الكبير والصغير والبعيد
والقريب.
درس الشيخ عبد
اللطيف في صغره عند المطوع فحفظ كتاب الله ونشأ عند أبيه العالم الشيخ علي وكذلك
أخيه الشيخ سلطان، ثم انتقل إلى الاحساء بأمر من الشيخ عيسى بن علي آل خليفة حاكم
البحرين آنذاك، فـدرس على أيدي علماء أجلاء منهم الشيخ عبداللطيف الجعفري الشافعي
والشيخ عبداللطيف الملا والشيخ أبوبكر الملا، وقد عاد بالإجازات العلمية من هناك.
كما حصل على إجازة كتابية في جميع العلوم الشرعية من مفتي المالكية بالمدينة
المنورة والمدرس بالحرمين الشريفين الشيخ محمد الخضر بن مايابي الجكني الشنقيطي
مؤرخة منتصف شهر صفر 1345هـ (1927م).
عمل الشيخ عبد
اللطيف في التجارة وكانت عنده عمارة في سوق المحرق. وقد أصبح أول إمام لمسجد بن
سبت ثم انتقل إلى مسجد قباء بعد وفاة أخيه الشيخ سلطان سنة 1337هـ (1918م) وأصبح
خطيباً لمسجد الشيــخ عيسى بن علي ولمصلى العيد في البر واستمر في الخطابة لأكثر
من عشرين سنة.
وكان الشيخ
عبداللطيف من أوائل المدرسين في مدرسة الهداية الخليفية حين افتتحت سنة 1338هـ
(1919م)، وكذلك مدرس في مدرسة بن مطر بالمحـرق وكان من طلبته الشيخ عبد الله
الفضالة والشيـخ حسن شويطر وعلي بن الشيخ جمعة الجودر وأحمد بوحمود وأخيه جاسم
وعبد الرحمن وعبد القادر أبناء عبد الله بن طلحة ومحمد بن أحمد الأحـمدي وعثمان بن
أحمد الجودر وإبراهيم بن عثمان الجودر وراشد بن سالم بوحمود وعيسى بن صالح بن هندي
وغيرهم كثير.
وقد عين الشيخ
عبد اللطيف قاضي في أول محكمة شرعية في البحرين سنة 1345هـ (1927م) من قبل الشيخ
حمد بن عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين، وعمل معه في القضاء الشيخ عبداللطيف
المحمود والشيخ عبداللطيف السعد.
يوجد للشيخ
عبداللطيف ديوان شعر كان قد كتبه في حياته وقد بيع هذا الديوان بعد وفاته رحمه
الله(1) ولكن الحمد لله استطعنا أن نجمع بعضا من هذه القصائد ومنها المرثية
التي قالها في وفاة أخيه الشيخ سلطان سنة 1338ه (1920م) يقول فيها:
|
ألا يا زمان الوصل هل أنت ترعاني |
|
وهل يا زمان الأنس تنظر في شأني |
|
وهل أنت في الحالين ترثى لحالتي |
|
وهل أنت شاك للذي ضر جثماني |
|
وهل مرمر البعد في كل ساعة |
|
عليك كما قد كان ينحو لتلحاني |
|
وهل أنت لي بعد السمير مؤازراً |
|
وهل أنت لي خدن فلا ضير يلقاني |
|
وهل أنت توليني كما كان مولياً |
|
أخو الصدق وسلطان البلاغة ذو
الشأن |
|
أخي سيفي المشهور عدة شدتي |
|
إذا نابني ريب الزمان تلقاني |
|
تحمل كل المعضلات فليته |
|
يفدي بمال ثم روح وغلمان |
|
أتاه الذي لا يخلف الوعد إذ أتى |
|
فأخلا منانيه وهد لأركاني |
|
فأوحشت الدنيا علي جميعها |
|
وصرت قريح العين مطبق أجفاني |
|
فقيد أخ عز الزمان بمثله |
|
وأين ترى ذا الوقت يصفو لإخوان |
|
وإني أراني اليوم طيرا جناحـه |
|
أصيب بسهم البين من بين أقــران |
|
فيا رب يا قدوس فرج همومنـا |
|
ونفس عن المكروب ذخري وديانـي |
|
وألحقنا بالأخيار في حزب أحمد |
|
سلالة عبدالله خــيرة عدنــان |
|
عليه صلاة الله ثم سلامـــه |
|
بتعداد ما غنى الحمـــام بالحـان |
وللشيخ عبد اللطيف قصائد كثيرة منها هذه التي يرد فيها على قصيدة تلميذة الشيخ محمد بن أحمد الأحمدي (إمام مسجد الصادق) يقول فيها:
|
عليك سلام لا يزال مردداً |
|
وأنت حري بالوداد محببا |
|
وأنت الذي ما ضاع فيك غراسنا |
|
وأنت الفتى الميمون أيضا المهذبا |
|
ظننت جميلا ثم قلت مـــبالغا |
|
وأبديت مكنونا من الشعر أعجبـا |
|
وظنك هذا أن الدهر صــافيا |
|
وما شابك التغير والشوق أوجبا |
|
وقد سرني تلك المعاني وصوغها |
|
وسر بها الاخوان والذوق أطـربا |
|
وحدسي بهذا الجيل ما قيل مثلها |
|
فريدة فكر أعـــجزت أن تثلبا |
|
توارى بها الفهم المنور مظهرا |
|
خمولا عن الدعوى أنت مجانبا |
|
تساجل أهل الفهم سرا ولا ترى |
|
لنفسك حــقا للتواضع ذو اجتبا |
|
أتيت بها هذرا وما منك من قلى |
|
ولست بذي صد ولا كنت مذنبا |
|
فأنت ترافقت المماثل ما درى |
|
بأنك في ذا الشأن تبدي الغرائبا |
|
وعلمك هذا الوقت ذو الفهم والتقى |
|
مضاع لأن الجهل عم الغياهبا |
|
وحامل علم الشرع ودع بينهم |
|
وأهل البلاء أهلا وسهلا ومرحبا |
|
تكاثر أهل الشر والزور عندنا |
|
وحالاتنا ترثا لشعب تشعبا |
|
فيا صحبتي يا أخوتي يا قرابتي |
|
عليكم بعلم الشرع يا نعم مكسبا |
|
وحيهلا بالابن أعني محمداً |
|
لأحمد نجلا ما جفانا ولا كبا |
|
ولازال للتقوى حليفاً ملازماً |
|
وزانت له الأحوال لباً وقالباً |
|
إشاراتكم أغلى لنا من مواهب |
|
وأنت لنا أبن مدى السهل والربا |
|
فمهما وجدتم فرصة فتقدموا |
|
وإلا فعذر والفتى يفهم النبا |
|
وإني لكم في النصح ما دمت راغبا |
|
وأرعاكم دأبا وما ملت لجانبا |
|
فأرجو من المولى ثباتا لطاعة |
|
وسيرا لعلم الشرع يا نعم مكسبا |
|
ففيهما يرينا الحق حقا ومظهرا |
|
جميلا ويكفينا الحسود المشاغبا |
|
وينظمنا في سلك سادتنا الأول |
|
ويجعلنا ممن لحبهم أجتبا |
|
فيا سامعا إني بهذا مناديا |
|
لسمت وحزم هل لصوتي مجاوبا |
|
لقد صمت الآذان عن قول ناصح |
|
وأسر كلا للبطالة لاغبا |
|
وصار نصوح القوم ممقوت بينهم |
|
وخادعهم نال الحبا والمواهبا |
|
وعذرا أخي إني بذي الوقت في عنا |
|
ولا ممكن أبدي الذي كان واجبا |
|
وختم كلامي أن أصلي مسلما |
|
على أحمد الهادي دعاه وقربا |
|
وآل والصحب من زان مدحهم |
|
وحبهم حل الفؤاد فطنبا |
|
وخذها ولا فخر هذ عجالة |
|
وشأني ترى شأن وكنت مجاوبا |
|
فأرجوك والاخوان أن تسجوا لها |
|
جناح الرضا صفحا يكون لها حبا |
أستلم تلميذه
الشيخ محمد الاحمدي القصيدة ثم أجابه:
|
جاءت بلا وعد فأهلا ومرحباً |
|
فقبلتها سبعاً وقلت مجاوباً |
|
هي الدر إلا أنها لم تثقبا |
|
وقد جاء منظوماً فزدت تعجباً |
|
معان وألفاظ زهت بتناسب |
|
أرق من الماء الزلال وأعذبا |
|
وأهدت سلاما عطر الأفق نشره |
|
ومسك أنفاس النسيم وأطيبا |
|
وأثنى علي من ليس يصلح للثنى |
|
فقلت له أهلاً وسهلاً ومرحباً |
|
أخو المرء مرآة له فلعله |
|
رأى في أخيه نفسه فتعجبا |
|
وأثنى عليه بالذي قد أعاره |
|
وألبسه من كل فضل وأكسبا |
|
فأنت الذي أثنى وأنت الذي كسى |
|
من الفضل ما جر البنا وأوجبا |
|
وختم كلامي أن أصلي مسلماً |
|
على الهادي للناس مجتبا |
|
وآل والصحب من كان مدحهم |
|
سرا في فؤادي بالمحبة وطنبا |
وقد كتب الشاعر عيسى بن أحمد بوجير (إمام مسجد لقمرة) عام 1353هـ (1934م) في الشيخ عبداللطيف قصيدة جميلة بمناسبة شفائه من مرض ألم به يقول فيها:
|
وافا علاك الشفاء يا من شكى
الألما |
|
يا عمدة الدين والإسلام والعلما |
|
يا عالما عاملا جاء السمو لـــه |
|
بالفضل متصــف بالله معتصمــا |
|
يا خادما لشرع دين الله مجتهد |
|
في نصرة الحق يوم الفصل للخصما |
|
بك الشريعة وافى قدرها شرفا |
|
إذ امتطى بك نيل الحق من ظلما |
|
وليت أمر القضا من مرتضى ورضى |
|
لما إليه القضا في اللوح قد رسما |
|
لشخصك الشهم مقدار ومرتبة |
|
قد حكما في قضا البحرين فاحتكما |
|
وحكم العدل والأنصاف وابتهجت |
|
حقائق الحق حتى قر من قدما |
|
فقمت والضلعاء الغر مفترسا |
|
دعوى الخصوم فتأتي الحق من بهما |
|
وشد زند هداك الطهر وانحكمت |
|
أمور شتى خشينا بعدها العدما |
|
أنت الذي يتلقى من لدنك سدا |
|
فوائد الدين والإرشاد والعلما |
|
وتوسع الخلق وعظا يوم مجتمع |
|
للمسلمين وتحيي سنة القدما |
|
الراشدين الورى لله خالقهم |
|
والعادلين إذا ما غيرهم ظلما |
|
والسالكين طريق عز مسلكه |
|
من يدعيه وتشريفاً لهم هدما |
|
أولئك الذين أشترى الرحمن أنفسهم |
|
لما رضوه وصاروا بينهم رحما |
|
وأنت أنت الذي تدعى بغير مراء |
|
من الهداة وممن قد وفوا كرما |
|
لك المعالم مشهود ترقبها |
|
في طاعة الله والمحظوظ من لزما |
|
لك احترام وتعظيم ومكرمة |
|
لدى الملوك وأرباب النهى العظمــا |
|
إن التقاة بنو الربحان من صحبـوا |
|
لك الجناب وحازوا فضل من كرما |
|
وعظموا قدر مقدام يقدمهم |
|
للمرتقا وإليه يرفع الحكما |
|
شيخ شريف تشوق المحدقين به |
|
بشاشة ينتهب الباب من شؤما |
|
رمتم بأن تطفئوا نور أضاء لنا |
|
من المهيمن بالأفواه يا لؤما |
|
حسبي عليك لقد أججت أفئدة |
|
ماذا لقيت قل لي غير ما حيد ما |
|
أن السماء منيع طول رفعتها |
|
هيهات يجنو جنى الجنات من رجما |
|
يا صاحب الفضل قد وافاك محتسب |
|
محبة اجتنى من أجلها تعما |
|
شوقا قصدت ولا قصد أو مله |
|
ألا تلاقيك مسرور ومبتسما |
|
أني بمدحك والأشواق توعدني |
|
فيك المدائح حتى تقضي السلما |
|
خذ لي القريض وسدد لي خطى خلل |
|
فما الحياة إذا ما عيب ما نظما |
|
إذ قد لقيت به ضرغام سيطرة |
|
بسبق إدراككم كم مدع لجما |
|
ومن لنا ألم الأحشاء موهنة |
|
ما دهاه وفتنا تختشي اللمما |
|
على علا يتمطى شخصه ولها |
|
عن الرفاق ويجلو عنهم الظلما |
|
عـلا أتى من علي البر والده |
|
من آل جودر أكفاء العلى العلما |
|
المنتمون إلى قحطان إن فخرت |
|
بنو الكرام وصار الفضل للكرما |
|
من عنصر العرب العربا قبيلته |
|
من آل هود الذي حاز العلا فسمى |
|
عبد اللطيف الذي سرت سرائره |
|
للمستطاب فطاب الذكر يا فهما |
|
شيخ وفي أروع ورع |
|
مكرم يكرم العانين مبتسماً
|
|
محبب في الورى حبر ومعتبر |
|
منزه مبعد الأهواء والتهما |
|
له التكلف في شأن العباد يرى |
|
دينا يدين به الله مغتنما |
|
شكر الأنام ومرضاة يؤملها |
|
من ذي الجلال الذي عما نهاه حمى |
|
أحييتنا يا كريم الخلق حين بدا |
|
منك المحيا فحينا حجا وحمى |
|
حمد إلى الله إذ نجاك يا وكل |
|
من المخاوف والأدوار وأنت بما |
|
بنشره تنكمد أحشاء كل شقي |
|
نوى بك البغي والعدوان مجترما |
|
إنا نهنيك طرا بالسور على |
|
نيل الشفاء وأجر مدره عظما |
|
عساك بالمصطفى الهادي وعترته |
|
الواثقين بمولى يبعث الرمما |
|
ويبق ابتهاجك معمور وأنت على |
|
ما يوجب الشكر بالإجلال محتدما |
|
حق التهاني شفا علياك الدخل |
|
عز يدوم وإقبال له ختما |
كانت للشيخ
عبداللطيف علاقة قوية بالملك عبد العزيز مؤسس المملكة العربية السعودية وكانت
بينهما مراسلات كثيرة، وفي سنة 1357هـ (1938م) قام الشيخ عبداللطيف بأداء مناسك
الحج على نفقة الملك عبد العزيز، وقد نظم (الشيخ علي بن أحمد الجودر) قصيدة بهذه
المناسبة وهي (في الفصل الخامس).
انتقل
الشيخ عبداللطيف إلى رحمة الله تعالى في شهر ذي القعدة سنة 1366هـ (1946م) عن عمر
ناهز السبعين عاماً، ودفن في مقبرة المحرق. وعرض القضاء بعد اعتزاله سنة 1362هـ (1942م)
على الشيخ عبد الرحمن بن حسين الجودر ولكنه رفض
#فريج_الجودر
#مجلس_الجودر
#الشيخ_عبداللطيف-بن_علي_الجودر
0 تعليقات