بيت قديم
الشيخ محمد بن صالح بن فارس الجودر
بعد أن انتقلت عائلة الجودر مع شيخها محمد بن صالح بن فارس الجودر من منطقة الجدور بالقرب من جو وعسكر حوالي العام 1240هـ (1824م) إلى مدينة المحرق، نزلوا داخل السور في عهـد الشـيخ عبدالله بن أحمـد (الفاتح) آل خيفة حاكم البحرين آنذاك، وسكن شيخ القبيلة محمد بن صالح مجاوراً لبيت الشيخ سالم بن درويش الذي كان وزيراً للشيخ عبد الله بن أحمد الفاتح، وأصبحت بينهما صداقة حميمة وصحبة أخوية.
حوالي العام 1256هـ (1840م) انتقلت عائلة آل جودر إلى خارج السور في الجهة الشمالية من المحرق فوجدوا فيها أرضاً خالية نقية مرتفعة فنزلوا فيها ولم يسكنها أحد قبلهم، فبنى الشيخ محمد بن صالح بيته ومسجده وسكن حوله أبناء عمومته آل جمعة وآل خميس، وقد رتب على المسجد أزواج بناته علي بن جمعه (والد الشيخ جمعة) إماماً وراشد بن جمعة مؤذنا فيه، وجعل فيه رجل من أتباعه يقال له درويش يحفظ الأطفال كتاب الله ويعلمهم الصلاة ويقوم كذلك على تطهير أطفال المنطقة على حسابه. وكان للشيخ محمد بن صالح مجلساً مفتوحاً طوال اليوم للضيوف، ورتب كذلك رجلاً من أتباعه اسمه عبدالله يروي الماء لأهل الفريج وكان الماء ينقل من كوكب أبو ماهر وذلك قبل حفر الآبار الارتوازية في الفريج.
ولما وقعت حادثة الدرب (الساية) وجرت فيها أمور داخلية خرج الحاكم الشيخ عبدالله بن أحمد الفاتح من البحرين بأملاكه وأهله ووزرائه متوجهاً إلى جزيرة قيس فحكمها، وحكم البحرين الشيخ محمد بن خليفة آل خليفة سنة 1258هـ (1842م). وبعد أن استتب الأمر للشيخ عبدالله في جزيرة قيس أغار على أهل الغوص وأخذ منهم سفنهم ومن بين هذه السفن بقارة الشيخ محمد بن صالح الجودر وجزواها (بحارتها)، فرجع الشيخ محمد بن صالح إلى حكام البحرين وأخبرهم بما جرى له مع الشيخ عبدالله بن أحمد حاكم قيس، فقالوا له بأن الأمر يخصه وحده لأن الشيخ عبدالله خارج البلد، فطلب الشيخ محمد بن صالح من الحكام السماح له أن يذهب إلى جزيرة قيس ويسترجع حلاله، فأذنوا له بذلك ولكن أخبروه أنه إذا قتل فهذا من نفسه وأن رجع فله الأمان.
كانت هذه الأحداث السابقة قد وقعت في وقت الغوص الذي كان في تلك السنة في شهر رمضان فكان الناس يقسمون الغوص نصفان، فأستغل الشيخ محمد بن صالح شهر رمضان وتوقف الناس عن الذهاب إلى البحر فسار إلى جزيرة قيس فرحب به الشيخ عبدالله بن أحمد وأكرمه ولكن على حذر منه.
وفي الليلة التالية ذهب الشيخ محمد بن صالح إلى ساحل البحر ليتفقد سفينته وكان على الساحل قرابة السبعين سفينة للشيخ عبدالله جاهزة كلها للحرب، فركب الشيخ محمد بن صالح في السفن ليتفقد سفينته فوجدها وبها رجلين من بحارته، فقالوا له ما جاء بك إلى هنا يا عـم؟، فأخبرهم بأنه جـاء ليأخذهم إلى البحـرين فأهلهم وأولادهم لا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون، وأنهم في الخيار فمن أراد أن يرجع إلى أهله وألا كتم هذا الأمر، فقالوا له بل نذهب معك ولكن على شرط أن تسمح لنا بشرب الدخان، فوافق لهم على مضض (وكان هذا الأمر في أول ليالي رمضان) وقال لهم بأنه سيعود لهم في الليلة التالية بعد صلاة التراويح على أن يكونوا كلهم في السفينة وأن تكون أشرعة السفينة جاهز للإبحار.
وفي الليلة التاليـة سـار الشيخ محمد بن صـالح إلى صلاة العشـاء والتراويح، فجلس بعيداً عن الشيخ عبدالله، وبعد أن صلوا العشاء قاموا لصلاة التراويح وكانوا يقرؤون في كل ليلة جزءاً كاملاً من القرآن، فلما أحرموا في صلاة التراويح خرج منها الشيخ محمد بن صالح متوجهاً إلى البحر فوجد بحارته في السفينة وأشرعتها جاهزة، فأمر بقطع بسيس (الحبال التي ترفع الشراع) السفن الأخرى حتى لا يتمكنوا من اللحاق بهم، وخطف على السفينة بالشراع متوجهاً إلى البحرين، وكان الجو مناسباً للإبحار والشيخ محمد بن صالح خبير بالبحر ومسالكه.
وبعد أن انتهى الشيخ عبدالله من صلاة التراويح وعلم بأن الشيخ محمد بن صالح لم يصلي معهم التراويح، صاح الشيخ عبدالله في النفير فهرع القوم إلى السفن فوجدوا البسيس قد قطعت، فعرفوا أن لا سبيل لهم في اللحاق به. وبعد أيام وصل الشيخ محمد بن صالح إلى البحرين وأول ما فعله أن ذهب إلى الحكام وأخبرهم الخبر وأنه أسترجع حلاله، فتعجبوا من بطولته وشجاعته وما جرى له مع الشيخ عبدالله، فأعطوه الأمان.
في أحد الأيام قال الشيخ سالم بن درويش لصديقه الشيخ محمد بن صالح: إن سكننا خارج سور المحرق يعرضنا لخطورة مداهمة العدو، والاصلح لنا أن نختار مكان في أطراف جزيرة المحرق فننزل فيه فقال الشيخ محمد للشيخ سالم هذا هو الرأي سديد، وفي اليوم التالي ذهبا إلى الجهة الشمالية الشرقية من المحرق على ساحل البحر فوجدا تلّة مرتفعة نقية فاختاروها للسكن بعد أن استأذنوا من الحكام للنزول فيها، فوافقوا لهم بعد أن عاين الشيخ علي بن خليفة المنطقة وقسمها بينهم (وسميت بالجسيمة) فأصبحت الجهة الغربية للشيخ محمد بن صالح والجهة الشرقية للشيخ سالم بن درويش، فأسسوا المنطقة والتي سميت فيما بعد بقلالي، وكان بيتي الشيخين محمد بن صالح وصديقه الشيخ سالم بن درويش متلاصقان وبينهما فرية وظلت هذه الفرية لسنوات طويلة ، وفي يوم الافتتاح شاركهم الشيخ علي بن خليفة. وكان الشيخ محمد بن صالح من دهاة العرب، وكان كريماً سخياً ذو هيبة واحترام عند الناس، وكان يكفل الأرامل والأيتام ويطعمهم ويكسوهم، وكان مجلسه مفتوحاً لحاجيات الناس، وكانت له مساكر وحضور لصيد الأسماك، وقد رزقه الله من الأبناء ستة وهم جاسم وعبد الله وحمد وصالح وراشد وعبد العزيز.
هذا ولم تذهب عائلة آل جـودر بأكملها إلى قلالي، فقد بقى آل خميس وآل جمعة في مساكنهم بالمحرق، وقد سكن في منزل الشيخ محمد بن صالح بالمحرق الشيخ علي بن محمد بن خميس الجودر (والد الشيخ سلطان والشيخ عبداللطيف)، ثم ترك الشيخ علي المنزل وسكن في منطقة البديع، وظل المنزل لفترة من الزمن حتى باعه على عبد الوهاب بن صالح بن الشيخ محمد بن صالح الجودر.
#كتاب الدرة الجوهرية
#فريج الجودر
#مجلس الجودر
#مجلس الشيخ محمد بن صالح الجودر

0 تعليقات